كتب ومقالات فضيلة الامام الدكتور علي جمعه حفظه الله

كتاب خطوات الخروج من المعاصي لفضيلة الامام الأستاذ الدكتور علي جمعه حفظه الله (الجزء الثاني)

هيا بنا نقرأ كتب مولانا الامام العلامه الاستاذ الدكتور علي جمعه حفظه الله

كتاب خطوات  الخروج من المعاصي (الجزء الثاني)
الفصل الأول
التوبة
بالتوبة تحيى القلوب
للقلب حياة وموت، وإبصار وعمى، قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (الحج: ٤٦)، والله يريد من المؤمن أن يحيا قلبه ويبصر فيتعرف على الحقائق.
وقلوب البشر ليست واحدة، فالقلب قد يكون غليظا قاسيا وقد يكون رقيقا لينا، قال تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ (البقرة: ٧٤).
وكان قلب رسولنا رقيقا حنونا، قال تعالى: ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (آل عمران: ١٥٩).
ويكون القلب سليما، وقد يكون سقيما مريضا، قال تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (البقرة: ١٠)، وقال تعالى: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ (الأحزاب: ٣٢)، ولا يفلح إلا صاحب القلب السليم، قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (الشعراء: ٨٩).
والقلب مكشوف الله يعلم ما به على حقيقته، حتى إن حاول الإنسان الكذب على الخلق، فلا يؤثر ذلك في علم الله به، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ (البقرة: ٢٠٤).
والقلب يكون منبعا للطاعات، كما يكون منبعا للآثام – والعياذ بالله – وذلك في حالة فساده قال تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: ٢٨٣).
والإنسان لا يملك قلبه، ولا يملك أن يُغير ما به، بل القلب ملك الله يصرفه ربنا ويُقَلِّبه كما يشاء، فالله يحول بين المرء وقلبه قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (الأنفال: ٢٤).
والقلب هو المعتبر عند الله في الإيمان والكفر، فقد يضطر إنسان للنطق بالكفر تحت التعذيب والآلام، فأخبرنا ربنا أن هذا الإكراه لا يؤثر في حقيقة إيمانه؛ لأن العبرة بإيمان القلب واطمئنانه قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (النحل: ١٠٦).
والقلب يغفل باتباع الهوى، ومعاندة شرع الله، وقد أمر الله نبيه بعدم متابعة هذا الصنف من الناس أصحاب تلك القلوب، فقال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ (الكهف: ٢٨).
والقلب يتقلب من شدة الخوف كالبصر، والمؤمن يخشى ذلك اليوم الذي يتقلب فيه قلبه وبصره قال تعالى: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ (النور: ٣٧).
ولو تأملنا ما سبق من مقدمات نجدنا قد ذكرنا بعض الآيات القرآنية عن القلب؛ وذلك لأن تحقيق التوبة الصادقة شرط لإحياء القلب، ودخول الأنوار فيه، والإقبال على ربه ، قال تعالى: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ﴾ (ق: ٣٣).
والتوبة في اللغة: العود والرجوع، يقال: (تاب) إذا رجع عن ذنبه وأقلع عنه، وإذا أُسند فعلها إلى العبد يراد به رجوعه من الزلة إلى الندم، يقال: تاب إلى الله توبة ومتابا: أناب ورجع عن المعصية، وإذا أسند فعلها إلى الله تعالى يستعمل مع صِلَةِ (عَلَى) ويُراد به رجوع لطفه ونعمته على العبد والمغفرة له، يقال: “تاب الله عليه” غفر له وأنقذه من المعاصي، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (التوبة: ١١٨).
وفي الاصطلاح التوبة هي: الندم والإقلاع عن المعصية من حيث هي معصية، لا لأن فيها ضررا لبدنه وماله، والعزم على عدم العود إليها إذا قدر.
وعرفها بعضهم بأنها الرجوع عن الطريق المعوج إلى الطريق المستقيم.
وعرفها الغزالي بأنها العلم بعظمة الذنوب، والندم، والعزم على الترك في الحال والاستقبال والتلافي للماضي.
وهذه التعريفات وإن اختلفت لفظاً فإنها متحدة معنى، وقد تطلق التوبة على الندم وحده إذ لا يخلو عن علم أوجبه وأثمره وعن عزم يتبعه، ولهذا قال النبي ﷺ: «النَّدَمُ تَوْبَةٌ» (١)، والندم توجع القلب وتحزنه لما فعل وتمني كونه لم يفعل.
وشروط التوبة ثلاثة:
وشروط التوبة ثلاثة:
أولاً: أن يقلع الإنسان عن الذنب ويفارقه ويبتعد عنه.
ثانيا: ثم يندم القلب على ما فرط واقترف في حق الله.
ثالثا: ثم يعزم بإخلاص ويعاهد الله على عدم العودة للذنب مرة أخرى.
ومن أعمال التوبة التي تؤكد صدقها في القلب وقبولها من الرب له صلاة التوبة التي سنها لنا رسول الله ﷺ حيث قال: «مَا مِنْ عَبْدٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا فَيُحْسِنُ الطُّهُورَ ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ إِلَّا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ» (١).
والتوبة من خصائص المجاهدين في سبيله لأنهم يتشوفون إلى لقاءه، فلا تهون نفس الإنسان عليه إلا بلقاء الله، والنظر إلى وجهه الكريم يهون علينا الدنيا وما فيها بمن فيها، ومن كمال الاستعداد للقاء الله الخروج من كل حال لا يرضى عنه ربنا، ولذلك يسارع المؤمن إلى التوبة، ويسارع إلى الإقلاع عن المعصية لأنه مجاهد في سبيل الله.
وترك التوبة ظلم للنفس، قال تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (الحجرات: ١١)، فاستحق تارك التوبة وصف الظالم، فهو ظالم لنفسه بوقوفه حائلاً بينها وبين ربها، والتوبة لا تصح إلا بعد معرفة الذنب، وحتى يكمل لك معرفة الذنب لابد أن تنظر إلى ثلاثة أشياء:
أولها – أنك تخليت عن حفظ الله لك، وأسقطته واجترأت على الذنب.
ثانيها – أنك فرحت به عند فعله بدل أن تحزن.
ثالثها – أنك أصررت على عدم الرجوع فور فعله مع تيقنك بنظر الحق إليك.
ويقول صاحب كتاب “منازل السائرين” الشيخ أبو إسماعيل الهروي كلامًا عاليا في التوبة نذكره بنصه لكثرة فوائده: «وحقائق التوبة ثلاثة:
١ – تعظيم الجناية وذلك بالنظر إلى من عصيت.
٢ – اتهام النفس في التوبة.
٣ – طلب إعذار الخليقة.
وسرائر حقيقة التوبة ثلاثة:
١ – تمييز الثقة من الغرة.
٢ – نسيان الجناية.
٣ – التوبة من التوبة أبدًا، لأن التائب داخل في الجميع من قوله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (النور: ٣١)، فأمر التائب بالتوبة.
ولطائف أسرار التوبة ثلاثة:
اللطيفة الأولي: النظر إلى الجناية والقضية، فيعرف مراد الله تعالى فيها إذ خلاه وإتيانها، فإن الله تعالى إنما يخلي العبد والذنب لأحد معنيين:
أحدهما – أن يعرف عزته في قضائه، وبره في ستره، وحلمه في إمهال راكبه، وكرمه في قبول المعذرة منه، وفضله في مغفرته.
والثاني – ليقيم على العبد حجة عدله، فيعاقبه على ذنبه بحجته.
اللطيفة الثانية: أن يعلم أن نظر البصير الصادق في سيئاته لم يبق له حسنة بحال، لأنه يسير بين مشاهدة المنة وتطلب عيب النفس والعمل.
البصير هو الذي يفكر ويرجع كل شيء إلى الله.
الصادق هو من لم يستحل المعصية ولم يستمرئها ولم يقل عن نفسه أنه قد جبر عليها ولا شيء فيها، أو أنها تستوي في الحسن والقبح مع الطاعة وأنه لا بأس من المعصية كما أنه لا بأس من الطاعة، والله فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ (١).
واللطيفة الثالثة: أن مشاهدة العبد الحكم لم تدع له استحسان حسنة ولا استقباح سيئة لصعوده من جميع المعاني إلى معنى الحكم:
عندما ينظر إلى الحكم الربانية فإنه يعلم أن الكل من عند الله، وأن الطاعة بالتوفيق، وأن المعصية بالابتلاء، وأنه في كليهما يجب عليه الرضا عن ربه، وأنه قد أمره الله عندما يبتلى بالمعصية أن يتوب، وعندما يفعل الحسنة أن يشكر، وعندما يشكر فإنما هذا توفيق آخر من ربنا يحتاج إلى شكر مكرر ودائم.
والتوبة بداية الطريق إلى الله، وأصل المقامات، فمن لا توبة له لا مقام له.
وتثمر التوبة النصوح الصادقة: محبة الله تعالى؛ وهي حالة يجدها العبد في قلبه تلطف العبارة، وتحمله تلك الحالة على التعظيم لله وإيثار رضاه، وقلة الصبر عنه، والاحتياج إليه، وعدم القرار من دونه، ووجود الاستئناس بدوام الذكر له بقلبه.
التوبة مفهوم شامل
إن التوبة أصبحت كلمة إذا ما سمعها المؤمن اختزل معناها وجعلها قاصرة على معاص خاصة، وجعلها أمرا غيبيا يتعلق باليوم الآخر، والتوبة أعظم من ذلك تشمل هذا وتزيد عليه كثيرا.
فالتوبة حالة نقد ذاتي، وحالة من مراجعة النفس، وحالة من الرقابة الإدارية، إلا أننا إذا سمعنا هذه الألفاظ – النقد الذاتي ومراجعة النفس ومحاولة الرقابة والإدارة – ظننا أن هذه الألفاظ لا علاقة لها بالتوبة، لأن مفهوم التوبة أصبح قاصرًا عند أغلب الناس على الإقلاع عن معاص بعينها، وليس الأمر كذلك.
كما أننا إذا سمعنا مصطلحات الرقابة الإدارية، والإدارة، والنقد الذاتي نفهمها في إطار مدلولاتها الغربية، لأنها مصطلحات أطلقها أهل الحضارة الغربية للتعبير عندهم على معان خاصة، إلا أننا نرى أن التوبة تشمل هذه المعاني مجتمعة.
ذكرنا أن النبي ﷺ كان يكثر من التوبة، وكان يقول: «إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً» (١).
فرسول الله يتوب أكثر من سبعين مرة، وهو الذي مدحه البوصيري – رحمه الله – فقال:
فاق النبيين في خلق وفي خُلُقٍ
ولم يدانوه في علم ولا كرم
فهو الذي تم معناه وصورته
ثم اصطفاه حبيبا بارئ النسم
منزه عن شريك في محاسنه
فجوهر الحسن فيه غير منقسم
فأي توبة كان يتوب، هل كانت التوبة حالة من النقد الذاتي، أو مراجعة النفس، أو المحاسبة ؟
ربما كان ذلك كله، مع التأكيد أنه معصوم لا تصدر منه المعاصي فلا يحتاج إلى توبتنا نحن، وهي التوبة من الذنوب.
ذكرنا فيما سبق أن التوبة في اللغة هي الرجوع والعودة إلى الله، ومنها كذلك المراقبة، ومنها المحاسبة، فلو فهمنا التوبة وما تستلزمه من عمليات داخلية لأدخلناها عنصرًا من عناصر الإدارة، وعنصرا أساسيا في الاقتصاد الذي يجري بين الناس، وعنصرا أساسيا في الحكم، وعنصرا أساسيا في السياسة الداخلية والخارجية.
والتوبة تقتضي الإقلاع والبعد عن الحالة التي لا ترضي الله سواء كانت هذه الحالة في علاقتك بربك من فعل المحرمات أو ترك الواجبات، أو كانت هذه الحالة في علاقة بمن حولك كالإساءة للأهل والجيران وسوء الأخلاق والكذب والخيانة وشهادة الزور، أو كانت هذه الحالة في أدائك في عملك أو محافظتك على النظافة والنظام.
وعلى أي الأحوال يجب عليك أن تكون في كل زمان ومكان في حالة يرضى عنها ربنا فلا يراك على حالة لا يرضاها.
ولكننا لن نتمكن من الوصول إلى حالات الرضا التي أمرنا الله بها بحولنا وقوتنا، فإن القوة لله وحده، قال تعالى: ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ (البقرة: ١٦٥)، فلا حول ولا قوة إلا بالله، والإيمان بذلك يورث التبرأ من القوة الموهومة والحول المزعوم لدى البشر، فيعلم الإنسان أنه لا حول ولا قوة له، فيلجأ إلى الله ويستمد منه القوة على طاعته، ويستمد منه الحول عن معصيته.
لأجل ذلك المعنى قال رسول الله ﷺ: «يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ قُلْ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ فَإِنَّهَا كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ»، أَوْ قَالَ «أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى كَلِمَةٍ هِيَ كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ» (١) حيث تدل هذه الكلمة على حقيقة وجود الإنسان في الأرض، وحقيقة سعيه فيها.
والتوبة تكون بعد الاستغفار، ولن نقول إن التوبة بعد المغفرة، فالمغفرة التي يمن الله بها على العبد هي من ثمرات صدق التوبة، وإنما التوبة تكون بعد الاستغفار.
والاستغفار هو: طلب المغفرة من الله وطلب العون، مما يحقق معاني الالتجاء إلى الله، وبعد طلب المغفرة تأتي التوبة، قال تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ (هود: ٣).
والتوبة الحقيقية هي التوبة الصادقة، التي يتحرى فيها الإنسان الصدق مع نفسه، فلا يفعلها ليبعد عذاب الضمير عن نفسه فحسب، بل يفعلها بصدق وعزم مع الله، ولا يفعلها رياء بين الناس، فالتوبة الصادقة ليس فيها مخادعة، فإن المخادعة من صفات المنافقين، قال تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ (البقرة: ٩)، فالمؤمن صريح مع نفسه، فلا بد من الشفافية.
والتوبة ينتج عنها المراجعة، ونلاحظ هنا خطورة تفريغ التوبة من معناها الدنيوي وقصرها على معناها الغيبي، فقد ذكرت الآية: ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ (هود: ٣)، فقوله: ﴿إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ أي إلى مدة حياتكم فإنْ أَرْجَعْنَا لها الجانب الآخر يَتَّضِحُ لنا إعجاز القرآن ويَتَّضِحُ لنا عُمُومَ ألفاظه.
والتوبة إلى الله لا يمنعها كثرة الذنوب والكبائر، بل إن الله أتى بأرجى آية في كتابه الكريم مع شدة الإسراف على النفس، قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ (الزمر: ٥٣، ٥٤).
وعلى المسلم أن يزيد من الرجاء عند الوقوع في الزلات وليس العكس، وهنا معنى لطيف تكلم عنه أهل الله، فإن نقص الرجاء عند الوقوع في الزلات علامة على أن الاعتماد في الغفران لم يكن على الله، بل كان على العمل، وينبغي للمسلم أن يعتمد في رجائه وطلب المغفرة على صفات الجمال لله التي لا تنقص بالذنوب، فهو سبحانه الرحمن الرحيم الغفور الغفار التواب، نرجوه لأجل ذلك فلا ينقص الرجاء مع الذنوب، وفي هذا المعنى يقول سيدي ابن عطاء الله السكندري – رحمه الله -: “من علامة الاعتماد على العمل نقصان الرجاء عند وجود الزلل” وهي أولى الحكم التي بدأ بها كتابه العظيم “الحكم العطائية” في إشارة إلى أن بداية الطريق تكون بالتوبة والاعتماد على الله وحده.
ولذا ترى النبي ﷺ يَقُصُّ على أصحابه قصة قاتل المائة، وهو يريد أن يتوب بعد كل هذه الذنوب، والله يقول: ﴿أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (المائدة: ٣٢)، فكم مرة قتل هذا الرجل الناس جميعًا ؟ ورغم كل هذه الذنوب فإنه أراد التوبة وانتظره ربُّه، وفرح بعودته، والنبي ﷺ يقول: «قَالَ اللَّهُ ﷿ أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ حَيْثُ يَذْكُرُنِي وَاللَّهُ لَلَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ يَجِدُ ضَالَّتَهُ بِالْفَلَاةِ وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا وَإِذَا أَقْبَلَ إِلَيَّ يَمْشِي أَقْبَلْتُ إِلَيْهِ أَهَرُولُ» (١).
فما قصة ذلك الرجل ؟ يرويها رسول الله ﷺ فيقول: «كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ فَأَتَاهُ فَقَالَ إِنَّهُ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ فَقَالَ لَا. فَقَتَلَهُ فَكَمَّلَ بِهِ مِائَةً ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ فَقَالَ إِنَّهُ قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ فَقَالَ نَعَمْ وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللَّهَ فَاعْبُدِ اللَّهَ مَعَهُمْ وَلَا تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ فَإِنَّهَا أَرْضُ سَوْءٍ. فَانْطَلَقَ حَتَّى إِذَا نَصَفَ الطَّرِيقَ أَتَاهُ الْمَوْتُ فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ فَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ جَاءَ تَائِبًا مُقْبِلًا بِقَلْبِهِ إِلَى اللَّهِ. وَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ إِنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ. فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ فِي صُورَةِ آدَمِيٍّ فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ فَقَالَ قِيسُوا مَا بَيْنَ الْأَرْضَيْنِ فَإِلَى أَيَّتِهِمَا كَانَ أَدْنَى فَهُوَ لَهُ. فَقَاسُوهُ فَوَجَدُوهُ أَدْنَى إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي أَرَادَ فَقَبَضَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ». قَالَ قَتَادَةُ فَقَالَ الْحَسَنُ ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ لَمَّا أَتَاهُ الْمَوْتُ نَأَى بِصَدْرِهِ (١).
وفي هذه القصة التي يرويها النبي ﷺ أمور كثيرة يجب أن نتعلمها:
الدرس الأول: أن الذي يُسأل عن أحكام الشرع العالم وليس العابد (الراهب)، فعندما أخطأ مَنْ دَله على الراهب حدثت جريمة أخرى في وقت يحتاج فيه الرجل إلى التوبة إذ به يقتل العابد الذي أفتى بجهل، فلا ينبغي لأحد أن يقصد كل من ظهرت عليه علامات العبادة أو الصلاح بالسؤال في الدين، فإن هذا الدين علم. كما أنه لا يجوز لكل من اقترب من ربه وسار في طريقه أياما أو شهورًا أو سنين أن يَظُنَّ أن له إفتاء الناس، فإن الإفتاء يكون للعلماء، ورأينا عندما ذهب إلى العالم انتهى الأمر، وتنزلت الرحمات، فهذا هو الدرس الأول الذي ينبغي أن نخرج به من هذه القصة.
الدرس الثاني: أن بهذه القرية قوم سوء، لأنه تمكن من قَتْلِ هذا العدد دون أن يجد مَنْ يَرْدَعُه، ومَنْ يأخذ على يده، فلم يكن هناك أمر بمعروف ولا نهي عن المنكر، ولا سلطات، ولا أي شيء، فهذا جو فاسد لا يصلح لعبادة الله، فهم قوم سوء لأنه استخفهم ولم يقم لهم وزنا، قال تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ (الزخرف: ٥٤)، وقال سبحانه: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (المائدة: ٧٨).
الدرس الثالث: أن التوبة حتى تستمر لابد وأن يتهيأ لها بيئة صالحة، ومجتمع متضامن متناصح، ويظهر هذا المعنى في قول العالم لقاتل المائة: «انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناسا يعبدون الله تعالى فاعبد الله معهم ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء»، فالإنسان يحتاج معينا له على الطاعة وعلى الخير ناصح أمين.
الدرس الرابع والأخير: أن الأعمال بالخواتيم، وفي هذا يقول النبي ﷺ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يُرْسَلُ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ بِكَتْبِ رِزْقِهِ وَأَجَلِهِ وَعَمَلِهِ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا» (١).
ويقول النبي ﷺ: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيمِ» (٢).
كل هذه الدروس نتعلمها من هذا الحديث، ويشتمل الحديث كذلك على كثير من الدروس والتفصيلات، ولعلنا ذكرنا أهمها.
فالمسلم مأمور بالمراجعة الدائمة للتوبة؛ لأنه لا يزال يخطئ، وسَنَّ الله فيه أن يستمر ذلك دائما، ويرشدنا سيد الخلق إلى أنه يفعل ذلك كل يوم، فلا نمل من التوبة إلى الله، ومصارحة النفس بالعيوب والتقصير، والإقلاع بهمة متجددة لرب العالمين، ولا ننسى الآخرة، ولا ننسى التوبة من هذه المعاصي.
إن ترك نقد الذات ومراجعة النفس والتوبة إلى الله يؤدي إلى عذاب كبير لعلنا نعيش بعضه في أيامنا هذه، فإن صلاح إنسان واحد لا يكفي لصلاح المجتمع أو لنهضة الأمة وصحوتها، فلا بد من أن تكون توبتنا إلى الله جماعية ومراجعتنا شاملة لقضايا الإنسان في كل مكان وفي كل مجال.
أراد الله توبة نصوحا، ولعل مادة “نصوحا” تذكرنا بمعنى النصح، فالدين النصيحة، والنصح له أركان وشروط، فيكون فيه المجتمع هو الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر الذي لا تشيع فيه الفواحش والمنكرات والفساد.

فاختزال معنى التوبة في المعنى الغيبي وَحْدَهُ بَتْرٌ لمراد الله وبتر لأوامره وإرشاداته، نسأل الله أن يعيد علينا التوبة بمفهومها الشامل على مستوى الفرد والمجتمع، إنه ولي ذلك والقادر عليه

رابط الكتاب كاملا لمن يريد تحميله
https://www.mediafire.com/file/k2cs6tdqdvxuuul/%25D8%25AE%25D8%25B7%25D9%2588%25D8%25A7%25D8%25AA_%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25AE%25D8%25B1%25D9%2588%25D8%25AC_%25D9%2585%25D9%2586_%25D8%25A7%25D9%2584%25D9%2585%25D8%25B9%25D8%25A7%25D8%25B5%25D9%258A.pdf/file

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى