مقالات فضيلة الإمام الدكتور علي جمعه حفظه الله

الرجاء (ا.د علي جمعه)

ما حقيقة الرجاء؟ وما أثره في أحوال العبد وأفعاله؟
الرجاء والخوف جناحان، بهما يطير المقربون إلى كل مقام محمود، ومطيتان يقطع بهما السائرون عقبات الطريق إلى الله.
فالخوف تألُّم القلب مما يُخشى، والرجاء ارتياح القلب لانتظار ما هو محبوب.
ولذلك لا يستقيم سير الإنسان إلى الله بالخوف وحده، ولا بالرجاء وحده، بل لا بد من التوازن بينهما؛ لأن الخوف إذا خلا من الرجاء أدى إلى اليأس والقنوط، والرجاء إذا خلا من الخوف والعمل تحول إلى تواكل وغرور.
وحق الله علينا أن نخافه، ونرجو عفوه ورضاه، ونحسن الظن به، مع التسليم لأمره وقضائه وقدره.
والرجاء الحقيقي ليس مجرد أمنية؛ وإنما هو انتظار محبوب بعد الأخذ بأسبابه، ثم تفويض ما لا يملكه العبد إلى فضل الله سبحانه وتعالى.
أما من يترك الصلاة، ويتبع هواه، ويصر على الذنب، ثم يقول: إن الله سيغفر لي، فليس هذا رجاءً، وإنما هو تمني وغرور.
قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾.
فالرجاء لا يكون مع ترك العمل، وإنما يكون مع التوبة، والاستغفار، والإقلاع عن الذنب، والسعي في الطاعة.
وقيل:
تَرْجُو النَّجَاةَ وَلَمْ تَسْلُكْ مَسَالِكَهَا .. إِنَّ السَّفِينَةَ لَا تَجْرِي عَلَى الْيَبَسِ
قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.
فمعنى الآية: لا تقنطوا من رحمة الله، ولكن ارجعوا إليه، واستغفروه، وتوبوا من ذنوبكم.
وقد أمرنا سيدنا رسول الله ﷺ بحسن الظن بالله، فقال: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ».
وقال فيما يرويه عن ربه سبحانه: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي».
ودخل النبي ﷺ على رجل في مرض موته، فقال له: «كَيْفَ تَجِدُكَ؟» فقال: أرجو الله وأخاف ذنوبي. فقال ﷺ: «لَا يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبِ عَبْدٍ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْطِنِ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ مَا يَرْجُو، وَآمَنَهُ مِمَّا يَخَافُ».
فهنا اجتمع جناحا السير إلى الله: الخوف والرجاء.
فالخوف يمنع الإنسان من المعصية، والرجاء يدفعه إلى التوبة والعمل، ولا يتم أمر العبد إلا بهما معًا.
وقد قال سيدنا علي رضي الله عنه لرجل أخرجه الخوف إلى اليأس لكثرة ذنوبه: يَا هَذَا، يَأْسُكَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ أَعْظَمُ مِنْ ذُنُوبِكَ.
وورد عن السلف أن رجلًا من بني إسرائيل كان يُقنِّط الناس ويشدِّد عليهم، أي: يُيئِّسهم، مثل بعض الناس في أيامنا هذه، فيقول الله تعالى له يوم القيامة:
«الْيَوْمَ أُؤَيِّسُكَ مِنْ رَحْمَتِي، كَمَا كُنْتَ تُقَنِّطُ عِبَادِي مِنْهَا».
والإسلام دين الوسطية؛ فلا إفراط في الرجاء حتى يترك العبد العمل، ولا إفراط في الخوف حتى ييأس أو يشق على نفسه وأهله.
قال سيدنا رسول الله ﷺ: «أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ؛ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي».
فالقمة والمثال هو سيدنا رسول الله ﷺ؛ ومن أراد أن يسير إلى الله فعليه أن يسير على هديه، من غير إفراط ولا تفريط.
والله سبحانه وتعالى واسع المغفرة، يقبل توبة عبده مهما كثرت ذنوبه إذا صدق في الرجوع إليه، وعمل، واستغفر، ورجا رحمته.
فالرجاء المطلوب هو الرجاء الذي يبعث على العمل، لا الذي يبرر الكسل والمعصية.
والخوف المطلوب هو الخوف الذي يدفع إلى التوبة، لا الذي يؤدي إلى اليأس والقنوط.
فَاعْمَلْ وَارْجُ، وَخَفْ وَلَا تَقْنَطْ؛ فَاللَّهُ أَكْرَمُ الْأَكْرَمِينَ.
أ.د. #علي_جمعة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى