الفوضي الخلاقه (ا.د علي جمعه)

بدأ استعمال مصطلح «الفوضى الخلَّاقة» (Creative Chaos) في أدبياتنا السياسية، وهو وافد علينا من الغرب، فيما يهلُّ علينا من مصطلحات تحمل مفاهيم لا ندركها في عمقها، أو جذورها، أو النظريات التي انبثقت منها. وهي حالة تمثل أزمتنا الفكرية، وهي عكس ما أشار إليه أبو الحسن الأشعري، المتوفى سنة (320هـ/940م)، في كتابه الصغير «استحسان الخوض في علم الكلام»، المطبوع في حيدر آباد الدكن بالهند في وريقات قليلة.
ويذكر فيه كيف تم استيعاب الوافد من الأفكار، يعني اليونانية، وتأصيلها، ووضع معيار لقبولها وردها، ومعرفة المناسب منها. وهم بذلك خرجوا عن حد التفكير الساذج السطحي إلى الفكر المستنير المتعمق.
ويذكرني هذا بما أطلقه المسلمون على نسبة الدائرة الثابتة التي نتوصل بها إلى محيطها ومساحتها، وهي (22/7)، حيث أطلقوا عليها: «نسبة إلهية فاضلة»؛ لأن الله هو الذي خلق الخلق، وخلق هذه النسبة العجيبة، وجعلها ثابتة في سائر الدوائر. ثم إن وصفها بالفاضلة يضيف إليها مدخلًا لقراءة الكون قراءة ربانية، في حين أن المصطلح الغربي، والذي تمت ترجمته إلى العربية الحديثة عندما تم التقليد التام، هو: «النسبة الطبيعية»، ويرمز لها بالحرف (ط).
فماذا عن مصطلح الفوضى الغربي؟ وما قابله عند الإمام الأشعري رضي الله عنه عندما نظر إلى مجموع المعارف التي حصَّلها الإنسان من دراسة الكون المحيط؟
تشير الكلمة إلى إحدى النظريات الحديثة نسبيًّا، والتي تختص بدراسة القوانين الخفية التي تحكم البيئات العشوائية في مظهرها، المنتشرة في الكون، حيث نالت النظرية قسطًا كبيرًا من الشهرة باستخدامها في العديد من الروايات والأفلام السينمائية، كـ «حديقة الديناصورات» لمايكل كريشتون عام 1990م، والتي أخرجها للسينما ستيفن سبيلبرغ، وتدور أحداثها حول محاولة أحد العلماء استنساخ ديناصورات لعرضها على الجمهور في حديقة عامة.
وكذلك قصة «صوت الرعد»، التي تحولت إلى فيلم سينمائي عام 2004م، وتعتمد على نظرية الفوضى، التي من أساسها أن أي تغير طفيف في بداية الأمر سيتحول إلى اختلاف عظيم غير متوقع عند نهايته، لدرجة أن الهواء الناتج من ضربة جناح فراشة في الشرق قد يؤدي إلى إعصار ضخم في الغرب.
وهي النظرية التي ظهرت مع عالم الرياضيات الفرنسي هنري بوانكاريه، وهو يحاول حل معضلة «حركة الأجسام الثلاثة في إطار واحد من الجاذبية»، وهي مشكلة رياضية كانت بلا حل طوال قرنين من الزمان، وذلك في أواخر القرن التاسع عشر.
وانضم إلى هذا أن علماء التجريب لم ينجحوا في تفسير كثير من الظواهر، رغم تجميعهم لكثير من المعلومات التي لم يستطيعوا الربط بينها من جهة، وعدم قدرتهم على التنبؤ بمسارها في المستقبل بقانون واضح من جهة أخرى؛ مما جعلهم يطلقون عليها لفظ «العشوائية».
واستمر الحال على ذلك حتى النصف الثاني من القرن العشرين، حيث بدأت الرؤية تختلف لدى العديد من العلماء، فوصل بهم اليقين بعجز القانون النظامي عن تفسير العديد من الظواهر المحيطة بهم، ولعل أهمها ظاهرة النمو البيولوجي للسكان، والذي فشلت جميع النظريات الحديثة في توقع نسبة نموه.
ويُعد جهاز الكمبيوتر هو العامل المساعد على تطور هذا المذهب وانتشاره خلال النصف الثاني من القرن العشرين، وخصوصًا من خلال إطاره الرياضي، بعدما ظل الجانب الفيزيائي هو المسيطر عليه طوال النصف الأول من القرن…..يتبع
أ.د. #علي_جمعة



