مقالات فضيلة الإمام الدكتور علي جمعه حفظه الله

حاسبوا أنفسكم (ا.د علي جمعه)

هل هناك فائدة من أن يحاسب الإنسان نفسه في الدنيا قبل أن يحاسبه الله في الآخرة؟
محاسبة النفس مهمة؛ لأنها نوعٌ من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فالإنسان يبدأ بنفسه أولًا، وينظر فيما صدر عنها من خير أو شر.
وقد خلقنا الله سبحانه وتعالى، وكلَّفنا، وراقبنا، وسجَّل علينا كل شيء، قال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾. وقال سبحانه: ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾.
إذن، فهذه الآيات تؤكد أن هناك حسابًا، وأنه ينبغي للإنسان أن يحاسب نفسه قبل ذلك الحساب؛ حتى يجده يسيرًا سهلًا، له لا عليه.
وكيف يصل الإنسان إلى المحاسبة؟
عن طريق المراقبة؛ أي أن يشعر دائمًا بأن الله يراه، وأنه مطلع عليه.
وقد بيَّن سيدنا رسول الله ﷺ معنى الإحسان فقال: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ».
وقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾. وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾.
فإذا استقر في قلب الإنسان أن الله يراه، راقب أعماله، واستحيا من ربه، واستعان بهذه المراقبة على ترك المعصية.
وقد سأل رجلٌ الإمام الجنيد: بمَ أستعين على غض البصر؟ فقال: بعلمك أن نظر الناظر إليك أسبق من نظرك إلى المنظور إليه.
أي إن الله سبحانه وتعالى يراك قبل أن تمدَّ بصرك إلى ما حرَّم عليك.
وما من إنسان منع نفسه من النظر إلى الحرام إلا أحدث الله له بذلك المنع لذةً في قلبه، وسكينةً في نفسه.
وكان أهل الله يقولون: إننا نجد لذةً لو عرفها الملوك لقاتلونا عليها بالسيوف.
ومن الوسائل التي تعين على ترسيخ المراقبة في النفس التكرار؛ فقد كان سهل التستري رحمه الله يتعلم أن يقول: الله معي، الله شاهدي، الله مطلع عليَّ.
وكان يكررها قبل النوم حتى يترسخ المعنى في قلبه؛ فالتكرار يصنع في النفس مَلَكةً، ويجعل المحاسبة جزءًا من شخصية المسلم ونفسيته وعقليته.
وكان سيدنا رسول الله ﷺ يعيد الكلام ثلاث مرات حتى يُفهم عنه، وحتى يترسخ المعنى في نفوس السامعين.
ما حقيقة المحاسبة؟
أصل المحاسبة في قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. أي: لينظر كل إنسان ماذا قدَّم ليوم القيامة.
وقد سأل النبي ﷺ من سأله عن الساعة: «مَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟».
فالأمر لا يكون بالتمني، وإنما بالعمل والاستعداد.
وكان أهل الله يقولون: مِلاك الأمر كله أن تُجهِّز حجتك عند الله.
وللمحاسبة ثلاثة مفاتيح:
أولها: العلم والفقه؛ لأن الإنسان لا يستطيع أن يحاسب نفسه حتى يعرف الحلال والحرام، والصواب والخطأ.
وثانيها: سوء الظن بالنفس، فلا يزكي الإنسان نفسه، ولا يأمن مكرها، ولا يتكبر عن رؤية عيوبه.
وثالثها: تمييز النعمة من النقمة والفتنة؛ حتى يكون الإنسان واعيًا في حساب نفسه.
وكيف يعتاد الإنسان المحاسبة؟
يعتادها بمحاسبة أعضائه السبعة:

  • العين: إلى ماذا نظرت؟
  • الأذن: إلى ماذا استمعت؟
  • اللسان: ماذا نطق؟
  • البطن: ماذا دخل إليه؟
  • الفرج: هل حُفظ عن الحرام؟
  • اليد: فيمَ استُعملت؟
  • الرجل: إلى أين مشت؟
    فالعين مأمورة بغض البصر، والأذن مأمورة بألَّا تسمع الكذب والغيبة والنميمة، واللسان مأمور بالصدق والذكر وترك الأذى، والبطن مأمور بأكل الحلال، واليد والرجل مأمورتان بأن تُستعملا في طاعة الله لا في معصيته.
    وكان سيدنا عمر رضي الله عنه يقول: حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزنوها قبل أن تُوزنوا.
    وكان مالك بن دينار رحمه الله يقول: رحم الله عبدًا قال لنفسه: ألستِ صاحبة كذا؟ ألستِ صاحبة كذا؟ ثم ذمها، ثم ألزمها كتاب الله، فكان لها قائدًا.
    فالمحاسبة ليست يأسًا ولا تعذيبًا للنفس، وإنما هي طريق إلى إصلاحها، وحفظها، وتزكيتها، والاستعداد للقاء الله.
    أ.د. #علي_جمعة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى