فضيلة الدكتور علي جمعه : المؤمن ساكن مع الله متحرك الجوارح في مرضاته

خرج هذا الكون من العدم إلى الوجود، ومن السكون إلى الحركة، وكل ما فيه خاضع لربه، جارٍ بأمره، لا يخرج عن تقديره وتدبيره.
وهنا يظهر الفارق بين المؤمن وغيره: فالمؤمن يجعل الله سبحانه وتعالى مركز حياته، ومنه يبدأ، وإليه ينتهي، وبأمره يتحرك، وعند حدوده يقف. أما من جعل نفسه وهواه مركز الوجود، فإنه يضل حين يظن أن الحق ما وافق رغبته، وأن الخير ما حقق شهوته؛ قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾.
لقد كرَّم الله بني آدم، وهداهم النجدين، وفطرهم على معرفة الحق، لكن القرآن يذم الإنسان حين ينسى ربه، ويستغني بنفسه، ولا يرى في الكون إلا ذاته وهواه.
أما المؤمن فينظر إلى الوجود كله فيراه ساجدًا لله، مسبحًا بحمده؛ قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: 18].
فالكون كله خاضع لله: الشمس لا تتقدم عن مسارها، والقمر لا يخرج عن فلكه، والليل لا يسبق النهار؛ قال تعالى: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: 40].
إنه يتحرك، لكنه يتحرك بدقة ونظام، وبأمر الله سبحانه وتعالى؛ فلا عشوائية في الكون، ولا عبث في الخلق، وإنما حكمة وتقدير: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
فالسجود يعلمنا سكون الخضوع، والتسبيح يعلمنا حركة الطاعة؛ وبذلك يكون سكون المؤمن لله، وتكون حركته لله.
إذا سكن، سكن عند حدود الله، وإذا تحرك، تحرك في مرضاته؛ يسكت حين يكون الصمت طاعة، ويتكلم حين تكون الكلمة حقًّا، ويقف حين يكون الوقوف واجبًا، ويسعى حين يكون السعي عبادة.
ومن الخطأ أن يُقال إن حضارة الإسلام حضارة سكون وركود، وإن غيرها حضارة حركة وعمل؛ فالإسلام جمع بين السكون والحركة: سكون القلب مع الله، وحركة الجوارح في عمارة الدنيا.
إنها حركة واعية، منضبطة، هادفة، لا حركة عشوائية متفلتة؛ حركة في إطار أمر الله، وفي خدمة الإنسان، وإقامة العدل، ونشر الرحمة، وإصلاح الأرض.
فالمسلم لا يهرب من الحياة، ولا يعتزل عمارة الكون، وإنما يعمل ويتعلم ويزرع ويصنع ويبحث ويجتهد، لكنه لا يجعل الحركة غاية في ذاتها، ولا يجعل القوة مبررًا للظلم، ولا يجعل النجاح بابًا للكبر.
يتحرك، لكنه يعرف إلى أين يتحرك، ولماذا يتحرك، ولمن يتحرك.
يقول سبحانه: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: 44].
فالكون من حولك يسبح، وإن كنت لا تفقه كيفية تسبيحه. وكل موجود يؤدي وظيفته التي خلقه الله لها، ويسير في طريقه الذي قدره له.
فيا أيها المسلم، إن أردت أن تتسق مع هذا الكون، فاجعل قلبك خاضعًا لله، وحركتك طاعةً له؛ عندئذ يطمئن قلبك، وتهدأ نفسك، ويستقيم عقلك، ولا تعود ممزقًا بين الأهواء المتعارضة.
أما إذا جعل الإنسان هواه قائدًا، فقد خالف حقيقة الوجود؛ فالكون يتحرك بأمر الله، وهو يريد أن يتحرك بأمر شهوته، والكون يخضع لخالقه، وهو يريد أن يخضع لنفسه.
وحينئذ تصبح حركته فسادًا، وقوته طغيانًا، وحريته تفلتًا؛ لأنه نسي أن الحرية ليست أن يفعل كل ما يريد، وإنما أن يتحرر من عبودية الهوى، ويعيش عبدًا لله وحده.
قال سبحانه: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التين: 4-6].
فالإنسان يرتفع بالإيمان والعمل الصالح، ويسقط حين ينفصل عن ربه، ويجعل هواه إلهًا، وحركته بلا غاية، وسعيه بلا ميزان.
والمسلم الذي يحتاج إليه العالم هو مسلمٌ ساكنُ القلب مع الله، متحركُ الجوارح في الخير، قويٌّ في الحق، رحيمٌ بالخلق، متقنٌ لعمله، صادقٌ في قوله، نافعٌ في مجتمعه.
فاجعل سكونك لله، وحركتك لله، وعبادتك لله، وعملك لله، وعلمك لله، وخدمتك للناس لله.
كن ساكنًا عند حدود الله، متحركًا في مرضاته؛ فذلك هو الانسجام مع الكون، وذلك هو طريق المؤمن إلى ربه.
أ.د. #علي_جمعة