مقالات فضيلة الإمام الدكتور علي جمعه حفظه الله

الزهد (ا.د علي جمعه)

الزهد ليس دعوى تُقال، ولا مظهرًا يتخذه الإنسان، وإنما هو حال يستقر في القلب، ويظهر أثره في علاقة الإنسان بالدنيا.
وأكمل مَن جسَّد هذا المعنى في حياته هو سيدنا رسول الله ﷺ؛ فقد كانت الدنيا تأتيه، فلا تستقر في قلبه، وكان قادرًا على التوسع فيها، فاختار منها ما يبلغه، وأنفق ما زاد في وجوه الخير.
فقد قال رسول الله ﷺ لعبد الله بن عمر رضي الله عنهما: «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ، أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ».
فالغريب لا يتعلق بالمكان تعلق المقيم الدائم، وعابر السبيل يأخذ من الزاد بقدر ما يبلغه غايته.
وكذلك المؤمن يعلم أن الدنيا مرحلة وليست نهاية، وأنه مسافر إلى الله؛ فيأخذ منها ما يعينه على السير، ولا يجعل متاع الطريق سببًا لنسيان الغاية.
ولم يأمرنا رسول الله ﷺ بالزهد بلسانه فقط، بل علَّمنا إياه بحاله وسيرته.
فقد قالت السيدة عائشة رضي الله عنها: «إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الْهِلَالِ، ثُمَّ الْهِلَالِ، ثُمَّ الْهِلَالِ؛ ثَلَاثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ، وَمَا أُوقِدَتْ فِي أَبْيَاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَارٌ».
فقيل لها: فما كان يعيشكم؟
قالت: «الْأَسْوَدَانِ: التَّمْرُ وَالْمَاءُ».
وأخرجت رضي الله عنها كساءً ملبدًا وإزارًا غليظًا، وقالت: «قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي هَذَيْنِ».
وقالت في وصف فراشه ﷺ: «إِنَّمَا كَانَ فِرَاشُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي يَنَامُ عَلَيْهِ مِنْ أَدَمٍ، حَشْوُهُ لِيفٌ».
وهذا رسول الله ﷺ، سيد الخلق وقائد الأمة، عاش زاهدًا مع قدرته على التوسع في متاع الدنيا.
ولم يكن زهده عن عجز أو فقد؛ فقد كانت الأموال تأتيه، وكان في أصحابه أغنياء كسيدنا عثمان بن عفان وسيدنا عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما، ولكنه كان ينفق ويعطي، ولا يتعلق قلبه بما في يده.
كان ﷺ يعطي عطاء مَن لا يخشى الفقر، ويعيش عيشة الزاهدين؛ فعلَّمنا الزهد، وأمرنا به، وعاشه أمامنا.
وقد يكون الإنسان غنيًّا زاهدًا، وقد يكون فقيرًا شديد التعلق بالدنيا.
فسيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه كان صاحب مال، وجهز جيش العسرة، وكان سيدنا عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه من أصحاب الأموال والتجارة، ومع ذلك كانت الدنيا في أيديهما، ولم تكن مالكة لقلبيهما.
فالزهد ليس مرتبطًا بصورة الإنسان أو مقدار ما يملك، وإنما بحقيقة ما في قلبه.
وقد ذكر الإمام الغزالي للزهد ثلاث درجات:
الدرجة الأولى: أن يزهد العبد في الدنيا مع ميل نفسه إليها؛ فيشتهيها، ولكنه يجاهد نفسه ويمنعها من الاسترسال في التعلق والشهوة.
وهذا مجاهد لنفسه؛ لأنه قاوم هواه وقدَّم ما عند الله.
والدرجة الثانية: أن يترك الدنيا طوعًا، ولا يجد في تركها مشقة، ولكنه يرى زهده ويلتفت إليه، فيقول في نفسه: أنا زاهد، وأنا تركت الدنيا.
وهذه درجة أعلى من الأولى، ولكن صاحبها ما زال يشاهد نفسه وعمله.
أما الدرجة الثالثة: فهي أن يزهد الإنسان في الدنيا، ثم يزهد في زهده؛ فلا يرى لنفسه مقامًا، ولا يلتفت إلى ما تركه، ولا يتعالى على الناس بزهده.
لا يقول: أنا زاهد، ولا يرى نفسه خيرًا ممن اتسعت عليهم الدنيا، بل يعلم أن الفضل كله لله، وأنه عبد فقير إلى مولاه.
فهذه أعلى الدرجات: أن تخرج الدنيا من قلبك، ثم تخرج رؤية نفسك من قلبك كذلك.
فالزهد ليس مظهرًا، ولا فقرًا مصطنعًا، ولا تركًا للعمل، وإنما هو حرية القلب من التعلق بما سوى الله.
أَعْلَى الزُّهْدِ أَنْ تَتْرُكَ التَّعَلُّقَ بِالدُّنْيَا، ثُمَّ لَا تَرَى لِنَفْسِكَ فَضْلًا بِتَرْكِهَا.
أ.د. #علي_جمعة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى